محمد حسين هيكل

271

حياة محمد ( ص )

نداء العباس في الناس وكان العبّاس بن عبد المطلب رجلا جسيما جهوري الصوت قويّه ، فنادى بما أسمع الناس جميعا من كل فجّ : يا معشر الأنصار الذين آووا ونصروا يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة ! إن محمدا حيّ فهلمّوا ! وكرر العباس النداء حتى تجاوبت في كل جنبات الوادي أصداؤه . وهنا كانت المعجزة : سمع أصحاب العقبة اسم العقبة فذكروا محمدا وذكروا عهودهم وشرفهم . وسمع المهاجرون اسم محمد فذكروا تضحياتهم وذكروا شرفهم . وسمع هؤلاء وأولئك بسكينة محمد وثباته في نفر قليل من المهاجرين والأنصار ، كثباته يوم أحد ، في وجه هذا العدوّ الزاحف ، صوّرت لهم نفوسهم ما قد ينشأ عن خذلانهم إياه من تغلّب المشركين على دين اللّه . وكان نداء العباس أثناء ذلك ما يزال يدوّي في آذانهم وتهتزّ لأصدائه أوتار قلوبهم . هنالك تصايحوا من كل صوب : لبّيك لبّيك ! وارتدّوا إلى المعركة مستبسلين . رجوع المسلمين واستماتتهم وبدأت الطمأنينة تعاود محمدا حين رآهم يعودون ؛ فقد انحدرت هوازن من مكامنها وأصبحت وجها لوجه مع المسلمين في الوادي . وقد أضاء النهار وطغى النور على عماية الفجر . واجتمع حول رسول اللّه بضع مئات استقبلوا القبائل وصبروا لهم ، وقد أخذ يزداد عددهم وتشتدّ بعودتهم عزائم من خارت من قبل عزائمهم وجعل الأنصار يتصايحون يا للأنصار ! ثم تنادوا : يا للخزرج ومحمد ينظر إلى تناحر القوم ؛ حتى إذا رأى الصّدام اشتدّ ورأى رجاله تسمو نفوسهم ويطيحون بخصومهم ، نادى : الآن حمي الوطيس ، إن اللّه لا يخلف رسوله وعده . ثم طلب إلى العباس فناوله حفنة من الحصى ألقى بها في وجوه العدو : قائلا : شاهت الوجوه . واندفع المسلمون إلى المعركة مستهينين بالموت في سبيل اللّه ، مؤمنين بأن النصر لا محالة آت ، وأن من استشهد منهم فله من النصر أكبر من نصيب من بقي . وكان البلاء شديدا ؛ حتى أن هوازن وثقيفا ومن معهم ما لبثوا ، حين رأوا كل مقاومة غير مجدية وأنهم معرضون للفناء عن آخرهم ؛ أنّ فروا منهزمين لا يلوون على شيء ، تاركين وراءهم نساءهم وأبناءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين الذين أحصوها يومئذ اثنين وعشرين ألفا من الإبل وأربعين ألفا من الشاة وأربعة آلاف أوقية من الفضة . أما الأسرى وعددهم ستة آلاف فقد نقلوا محروسين إلى وادي الجعرانة حيث أووا إلى أن يعود المسلمون من مطاردة عدوّهم ومن حصار ثقيف بالطائف . تعقب المسلمين عدوهم وتابع المسلمون مطاردتهم لعدوهم . وزادهم إغراء بهذه المطاردة أن أعلن الرسول أن من قتل مشركا فله سلبه . وأدرك ابن الدّغنّة جملا عليه شجار « 1 » ظن به امرأة طمع في سلبها ، فأناخ الجمل فإذا شيخ كبير لا يعرفه الفتى هو دريد ابن الصمّة . وسأل ربيعة : ما يريد به ؟ قال : أقتلك ، وأهوى عليه بسيفه فلم يغن شيئا . قال دريد : « بئس ما سلّحتك أمك ! خذ سيفي هذا من مؤخّر الرحل . ثم اضرب به ، وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كذلك كنت أضرب به الرجال . ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة ، فرب واللّه يوم قد منعت فيه نساءك » . ولمّا رجع ربيعة إلى أمه وأخبرها خبره قالت له : « حرق اللّه يدك ، فإنما قال ذلك ليذكرنا نعمه عليك . فو اللّه لقد أعتق لك ثلاث أمهات في غداة : أنا وأمي وأمّ أبيك » وتبع المسلمون هوازن حتى بلغوا أوطاسا ، وهناك أوقعوا بهم وهزموهم شرّ هزيمة ، وسبوا من احتملوا من النساء والأموال وعادوا بهم إلى محمد . أما مالك بن عوف النصري فقد ثبت هنيهة ثم فرّ وقومه مع هوازن حتى افترق عنهم عند

--> ( 1 ) شجار : مركب مكشوف دون الهودج ، ويقال له مشجر .